
«قول عبادة بن الصّامت: «كنّا نبور أولادنا بحبِ عليِّ بن أبي طالبٍ».
أخرج الحافظ ابن عساكر في «تاريخه»([1])، وابنُ الجزريّ في «أسنى المطالب»([2])، كلاهما من طريق حصين بن مخارق، عن زيد بن عطاء بن السّائب، عن أبيه، عن الوليد بن عبادة بن الصّامت، عن أبيه، قال: (كنّا نبور([3]) أولادنا بحبِ عليِّ بن أبي طالبٍ، فإذا رأينا أحدًا([4]) لا يحبُ عليّ بن أبي طالبٍ، علمنا أنّه ليس منّا، وأنّه لغير رِشْدِهِ([5])).
أقول: في إسناده حصين بن مخارق بن ورقاء، أبو جنادة، متّهم بالكذب.
قال ابنُ حبّان([6]): (أبو جنادة، شيخٌ يروي عن الأعمش ما ليس من حديثِه، لا يجوز الرواية عنه، ولا الاحتجاج به إلا على سبيل الاعتبار).
وقال الدَّارقطنيُّ([7]): (متروكٌ)، وقال أيضًا([8]): (وكان أبو جنادة هذا يضع الحديث).
وقال أبو أحمد الحاكم([9]): (منكرُ الحديثِ).
وقال الحافظُ الذَّهبيُّ([10]): (متهمٌ بالكذب).
وفي معناه رويت بعض الروايات المنكرة التي لا تثبت، فقد روي عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنّه قال: بينا نحن بفناء الكعبة ورسول الله ^ يحدّثنا إذ خرج علينا مما يلي الركن اليماني شيء عظيم كأعظم ما يكون من الفيلة.
قال: فتفل رسولُ الله ^ وقال: «لعنت» أو قال: «خزيت». شك إسحاق.
قال: فقال عليُّ بن أبي طالبٍ: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «أوما تعرفه يا عليّ؟» قال: الله ورسوله أعلم.
قال: «هذا إبليس».
فوثب إليه فقبضَ على ناصيته وجذبه؛ فأزاله عن موضعه.
وقال: يا رسول الله أقتله؟ قال: «أوما علمت أنّه قد أُجل إلى الوقت المعلوم؟» قال: فتركه من يده، فوقف ناحية، ثم قال: ما لي ولك يا ابن أبي طالب! والله ما أبغضك أحدٌ إلا وقد شاركتُ أباه فيه، اقرأ ما قاله الله تعالى: «وشاركهم في الأموال والأولاد».
قال ابن عباس: ثم حدّثنا رسول الله ^ فقال: «لقد عرض لي في الصّلاة فأخذت بحلقه؛ فخنقته فإني لأجد برد لسانه على ظهر كفي، ولولا دعوة أخي سليمان لأريتكموه مربوطًا بالسارية تنظرون إليه».
رواه الخطيب البغداديّ في «تاريخه»([11])، ومن طريقه الحافظ ابن عساكر في «تاريخه»([12])، وابن الجوزيّ في «الموضوعات»([13])، والحافظ الذّهبيّ في «الميزان»([14])، قال: أخبرني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصّيرفيّ وأحمد بن عمر بن روح النّهروانيّ، قالا: حدثنا المعافى بن زكريا، قال: حدّثنا محمّد بن مزيد بن أبي الأزهر البُوسَنْجي، قال: حدّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا حجاج بن محمّد، عن ابن جريج، عن مجاهد، به.
قال الخطيب البغداديُّ: (إسناد هذا الحديث حسن، ورجاله كلهم ثقات إلا ابن أبي الأزهر، والقصّة الأولى منكرة جدًّا من هذا الطريق، وإنما نحفظها بإسناد آخر واهٍ).
وقال الحافظ الذّهبيّ: (رواته ثقات سوى ابن أبي الأزهر، فالحمل فيه عليه)([15]).
أقول: ابن أبي الأزهر هو محمّد بن مزيد بن محمود أبو بكر الخزاعيّ، متّهم.
قال أبو الحسن الدّارقطنيّ: (وكان ضعيفًا فيما يرويه، كتبنا عنه أحاديث منكرة)([16]).
وقال الحسن بن علي بن عمرو البصريُّ: (ليس بالمرضي)([17]).
وقال أبو الفتح عبيد الله بن أحمد النّحوي: (كذَّب أصحابُ الحديثِ ابنَ أبي الأزهر فيما ادّعاه من السّماع عن أبي كريب وسفيان بن وكيع وغيرهما) ([18]).
وقال محمد بن عمران المرزبانيّ: (كذّبه أصحابُ الحديثِ). وقال: (أنا أقول: وكان كذَّابًا قبيحَ الكذبِ ظاهره)([19]).
وقال الخطيب البغداديّ: (وكان غير ثقة يضع الأحاديث على الثقات)([20]).
وقد جاء بإسناد آخر واهٍ.
رواه الخطيب البغداديّ في «تاريخه»([21])، والحافظ الذّهبي في «الميزان»([22])، من طريق عثمان بن أحمد الدّقاق([23])، قال: حدثنا أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن يحيى بن بكّار، قال: حدثنا إسحاق بن محمد النّخعيّ، قال: حدّثنا أحمد بن عبيد الله الغدانيّ، قال: حدثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: قال عليُّ بن أبي طالبٍ: رأيتُ النَّبِيَّ ^ عند الصفا وهو مقبل على شخص في صورة الفيل، وهو يلعنه، فقلتُ: ومن هذا الذي تلعنه يا رسول الله؟ قال: «هذا الشّيطان الرجيم».
فقلت: والله يا عدو الله لأقتلنك، ولأريحن الأمّة منك، قال: ما هذا جزائي منك. قلت: وما جزاؤك منّي يا عدو الله؟ قال: والله ما أبغضَك أحدٌ قطُ إلا شاركتُ أبَاه في رحم أمّه.
وأخرجه من طريق الخطيب البغداديّ الحافظُ ابنُ عساكر في «تاريخه»([24])، وابنُ الجوزيّ في «الموضوعات»([25]).
قال الخطيب البغداديّ: (وهكذا رواه القاضي أبو الحسين بن الأشنانيّ، عن إسحاق بن محمد النّخعيّ وهو إسحاق الأحمر، وكان من الغلاة وإليه تنسب الطّائفة المعروفة بالإسحاقية، وهي ممن تعتقد في عليّ الإلهية، وأحسبُ القصّة المذكورة في الحديث الأوّل سرقت من هنا ورُكِّبت على ذلك الإسناد، والله أعلم) ([26]).
وقال الحافظ الذّهبيُّ: (وهذا لعلّه من وضع إسحاق الأحمر، فروايته إثمٌ مكرّر، فأستغفر الله العظيم، بل روايتي له لِـهَتْكِ حاله، وقد سرق منه لصٌ، ووضع له إسنادًا)([27]).
أقول: وإسحاق الأحمر هو إسحاق بن محمّد بن أحمد بن أبان أبو يعقوب النّخعيّ، ترجم له الخطيب البغداديّ في «تاريخه»([28])، وقال الحافظ الذّهبيُّ: (كذّاب مارقٌ من الغُلاة)([29]).
وروي عن محبوب بن أبي الزناد قال: قالت الأنصار: «إنَّ كنا لنعرف الرجل إلى غير أبيه ببغضه عليّ بن أبي طالب».
رواه الحافظُ ابن عساكر من طريق أبي بكر الخطيب البغداديّ، قال: أخبرني أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن علي المطرز، نا عبد الرحمن بن عمر بن محمّد المعدّل بمصر، نا محمّد بن الحارث بن الأبيض القرشيّ، نا عبد السّلام بن أحمد، نا إبراهيم بن صالح أبو صالح، أنا مالك بن أنس، عن محبوب بن أبي الزناد بـه.
قال: ونا عبد الرحمن بن عمر، حدّثناه أبو الحسن محمّد بن إسحاق الملحميّ، حدّثني عبد السّلام بن سهل السكريُّ، نا إبراهيم بن صالح الجزار، نا مالك بن أنس، عن محبوب بن أبي الزناد بـه.
قال الملحميّ: ومحبوب بن أبي الزناد هذا شيخ من شيوخ المدينة.
أقول: إبراهيم بن صالح الجزار ذكره الرشيد العطّار في «الرواة عن مالك»([30]) ، ولا يعرف بجرحٍ ولا تعديلٍ، ولا يعرف عن أصحاب الإمام مالك هذا الباطل.
وقد قال الحافظ الذّهبيّ: (وما علمت أحدًا من الحفاظ روى عنه عدد أكثر من مالك، وبلغوا بالمجاهيل وبالكذابين ألفا وأربع مئة)([31]).
ومحبوب بن أبي الزناد أيضًا، لا يعرف بجرحٍ ولا تعديلٍ.
وروى أبو القاسم إسماعيل بن القاسم الحلبيُّ في «حديثه»([32])، ومن طريقه الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق»([33])، قال: حدثنا أبو أحمد العباس بن الفضل بن جعفر المكيّ، نا إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدّبريّ، بصنعاء، سنة إحدى وسبعين ومئتين ، نا عبد الرزاق ، عن حمّاد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال: كان النّبيّ ^ إذا أراد أن يشهد عليًّا في موطن أو شهد عليًّا على راحلته أمر الناس أن ينخفضوا دونه، وأنّ رسول الله ^ شهد عليًّا -رضي الله عنه- يوم خيبر، فقال: «يا أيها النّاس من أحب أن ينظر إلى آدم في خلقه، وأنا في خلقي، وإلى إبراهيم في خلقه، وإلى موسى في مناجاته، وإلى يحيى في زهده، وإلى عيسى في سننه؛ فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب، إذا خطر مثل الصقر كأنما ينقلع من صخر، أو ينحدر من صبب، يا أيها النّاس امتحنوا بحبه أولادكم؛ فإنَّ عليًّا لا يدعو إلى ضلالة، ولا يبعد عن هدى، فمن أحبه فهو منكم، ومن أبغضه فليس منكم» .
قال أنس بن مالك: فكان الرجل من بعد يوم خيبر يحمل ولده على عاتقه، ثم يقف على طريق عليٍّ، فإذا نظر إليه توجه بوجهه تلقاءه، وأومأ بإصبعه أي بني تحب هذا الرجل المقبل، فإن قال الغلام: نعم. قبله، وإن قال له: لا، خرق به الأرض، وقال له: الحق بأمك، ولتلحق أمك بأهلها، ولا حاجة لي فيمن لا يحب عليّ بن أبي طالبٍ.
أقول: قال الحافظ ابن عساكر: (هذا حديث منكرٌ، وأبو أحمد المكيّ مجهولٌ).
وقال ابن حبّان في «المجروحين»([34])، في ترجمة الحسن بن علي بن زكريا بن صالح، أبي سعيد العدويّ البصريّ([35]): (وروى عن أحمد بن عبدة الضّبيّ، عن ابن عيينة، عن أبي الزّبير، عن جابر، قال: أمرنا رسولُ الله ^ أن نعرض أولادنا على حبّ عليِّ بن أبي طالبٍ.
وهذا أيضا باطلٌ، ما أمرَ رسولُ الله ^ بهذا مطلقًا، ولا جابر قاله، ولا أبو الزّبير رواه، ولا ابن عيينة حدّث به، ولا أحمد بن عبدة ذكره بهذا الإسناد، فالمستمع لهذا لا يشك أنه موضوعٌ، فلم أذهب إلى هذ الشّيخ، ولا سمعت منه شيئًا.
ثم تتبعت عليه ما حدّث به، فلقيته قد حدّث عن الثّقات الأشياء الموضوعات ما يزيد على ألف حديث سوى المقلوبات، أكره ذكرها؛ كراهية التطويل).
وأمّا حديث: «من لم يعرف حق عِترتي والأنصار والعرب؛ فهؤلاء أحد ثلاث: إما منافق، وإما لِزَنْيَةٍ، وإما امرؤ حَمَلَتْ أُمُّهُ على غير طهرٍ».
فقد رواه ابن عديّ في «الكامل»([36])، قال: حدثنا علي بن العبّاس، ثنا عبّاد بن يعقوب، ثنا إسماعيل بن عيّاش، عن زيد بن جَبِيرة الأنصاريّ، عن داود بن حصين، عن رافع مولى رسول الله ^ عن عليٍّ، قال: قال رسول الله ^ فذكره.
ورواه أيضًا في «الكامل»([37])، ومن طريقه البيهقيّ في «شعب الإيمان»([38])، قال: حدّثنا عمر بن سنان، ثنا هشام بن عمّار، ثنا ابن عيّاش، حدثنا زيد بن جَبِيرة، عن داود بن الحصين، عن ابن أبي رافع، عن عليٍّ، قال: سمعت رسولَ الله ^ يقول: «من لم يعرف حق عترتي، والأنصار، والعرب؛ فهو لإحدى ثلاث: إمّا منافق، وإمّا للزَنية، وإمّا لغير طُهر».
قال ابن عديّ: وهذه الروايات الثّلاث([39]) التي ذكرتُها لهذا الحديث، عن ابن عيّاش عن زيد بن جَبِير فأصحها رواية هشام بن عمّار، وابن أبي رافع هذا هو عبيد الله بن أبي رافع، عن إسماعيل بن عياش، وإسماعيل إذا رَوَى عن أهل المدينة وأهل العراق خلّط في رواياته عنهم، وإذا روى عن أهل الشّام فهو ثبت.
أقول: إسماعيل بن عيّاش كما ذكر ابن عديّ عنه، وشيخه هنا مدنيٌّ، وهو زيد بن جَبِيْرَة بن الضّحّاك الأنصاريّ، وزيد هذا له ترجمة في «تهذيب التهذيب»([40])، وهو متروك الحديث كما قال الحافظ ابن حجر([41]).
وأمّا ما رواه ابن الأعرابي في «المعجم»([42])، ومن طريقه الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق»([43])، قال: نا الغلابيّ، نا إبراهيم بن بشار، نا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قلت لعليِّ بن حسين بن عليّ: ما بال قريش لا تحب عليًّا؟ قال: «لأنّه أورد أولهم النّار، وألزم آخرهم العار».
فأقول: في إسناده محمّد بن زكريا الغلابيّ، قال الدّارقطنيُّ: (يضع الحديث)([44])، وله ترجمة في «الميزان»([45])، وفي «اللسان»([46]).والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
([2]) أسنى المطالب لابن الجزري (ص: ٥٧-٥٨).
([3]) أي: نختبر ونمتحن. قاله ابن الجزريّ في أسنى المطالب (ص:٥٨).
([5]) قال الجزري: (قوله لِغَيْرِ رِشْدِهِ، هو بكسر الرّاء، وإسكان الشين المعجمة، أي: ولد زنا). أسنى المطالب (ص:٥٨).
([7]) الضعفاء والمتروكين (رقم:179).
([8]) تعليقات الدارقطني على كتاب المجروحين (ص:296)، لسان الميزان (2/319).
([10]) ميزان الاعتدال (4/511).
([13]) الموضوعات (٢/١٦٥) (رقم: ٧٢٥).
([14]) ميزان الاعتدال (١/٢٠٣).
([16]) المؤتلف والمختلف (٤/ ٢٠٣٥)، تاريخ بغداد (٤/٤٦٤).
([17]) سؤالات حمزة السهميّ (رقم: ٧٣)، تاريخ بغداد (٤/٤٦٤).
([22]) ميزان الاعتدال (١/٢٠٢).
([25]) الموضوعات (٢/١٦٤) (رقم: ٧٢٤).
([29]) ميزان الاعتدال (١/٢٠٢).
([30]) الرواة عن مالك (رقم: ٧٧).
([31]) سير أعلام النّبلاء (٧/٢٣٤).
([32]) حديث أبي القاسم إسماعيل الحلبيّ (رقم: ٣٤).
([35]) يضع الحديث، انظر ترجمته في لسان الميزان (٣/ ٨٠).
([36]) الكامل في الضعفاء (٥/٩٥).
([37]) الكامل في الضعفاء (٥/٩٥).
([39]) الرواية الثالثة التي ذكرها هي: «لا يبغض العرب إلا منافق».
([41]) تقريب التهذيب (رقم: ٢١٢٢).
([44]) الضعفاء والمتروكين (رقم: ٤٨٣).
([45]) ميزان الاعتدال (٤/١٢٠).
